الحرية

الدِّين وفلســفة الحرية


القرآن مثله مثل الكتب المنزلة السابقة، ينقذ الإنسان من الضلال والتشتت في الوقت المناسب، ويكشف له الطريق الذي يجب أن يسلكه.
وكما وضع الله للخلق مبادئ وضع للناس مبادئ تشريعية، ووضع بعض الأمثلة الهادية التي يجب أن تُحتذى.
وإذا كانت الفلسفة هي التي تحدّد للبحث العلمي مساره، فإنّ علوم القرآن هي تقنين الفلسفة.

تقنين أقوال الفلاسفة والمتكلمين فيما يختص بمسألة الحرية[2]

أولا: أقوال الفلاسفة الغربيين:-

1-           خصائص فلسفة <ديفيد هيوم>:-
النظرة الآلية الحسية للمعرفة.
  ‌أ-       الضرورة الحسية المادية تتحكم في الفكر المعنوي في العقل (النفس)، ومن قانون تداعي المعاني انتهى إلى "لا سببية الأحداثمثلما قال <الإمام الغزالي>.
‌ب-    الفعل الإنساني آلي ولا توجد إرادة حرة بل إرادة خاضعة لظروف الجسم والإدراك والعالم الخارجي.
‌ج-     وصف [الإرادة] بأنها غير حرة لأنها نتائج حتمية لعلاقات ضرورية بين البواعث مثل الجوع والعطش وبين الأفعال مثل السعي وراء الرزق.
مميزات فلسفة <هيوم>:-
وصَفَ العجز البشري وصفا جيدا -وإن كان لم يُسمِّهِ كذلك- من خلال القيود الحتمية في النشأة المتمثلة في القوانين الوراثية، وقوانين الحركة التي يدار بها الكون وحتمية وجود الأجرام السماوية في أفلاك لا يمكنها تعديها، وظواهر السلوك الإنساني الـمُقيد بالتغيُّرات الحيوية في الجسم كالرغبة في الطعام والشراب والنوم والجنس، وغير ذلك من قوانين لها صفة الحتمية.
وأُعلِّق على فلسفة <هيوم> بأنه على المؤمنين بالله -سبحانه وتعالى- أن يدركوا أن العجز يجب قهره بقدر المستطاع ويجب تذليل كل الخلق للإنسان فكل شيء مسخر للإنسان وعليه أن يلبي لنفسه رغباتها في إطار عدم الاعتداء على الآخرين، وإلا فقد أساءوا لمجتمعهم ويعاقب الله على هذا التقاعس والتكاسل أو التعدي.
مآخذ على هذه الفلسفة:-
عندما نقارن أقواله بما جاء في تعريف تعبير "الإرادة" وتعبير "العجز" و"المعجزات والخوارق" و"الاختيار والجبر" في التعريفات الاشتراطية لتعبيرات القرآن الكريم نجد أنه وصف العجز فقط وخرج منه على أنه "مبدأ الجبرية"، وساوى في نظره بين الإنسان وبين المخلوقات الأدنى منه[3]، ونفَى حرية الإنسان في إرادته الواعية بينما تأكدت في [الفطرة] وفي التنزيلات الإلهية ونفَى مبدأ السببية الذي هو المبدأ الرابع من مبادئ الخلق التسعة للأكوان السبعة.


2-           خصائص فلسفة <كارل ماركس> و<فريدريك إنجلز> و<لينين>:-
  ‌أ-       ظهور دكتاتورية البروليتاريا (العمال) والإجبار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بغرض توزيع الإنتاج على الجميع.
‌ب-    المادة فقط هي الموجودة والظواهر الأخرى من مظاهرها، أي لا وجود للغيبيات.
‌ج-     جميع مظاهر الحياة الاجتماعية السامية من منشآت جميلة وفنون وآداب وعلوم هي جميعها نتاج حتمي للحالة الاقتصادية.
  ‌د-      أحداث المجتمع تقع وتتطور حسب قوانين موضوعية حتمية ثابتة، ولا يمكن للفرد أن يؤثر فيها أو يغير مجراها، لأن الفرد وإرادته الخاصة من صنع تلك القوانين وضمن مظاهر "الحتمية التاريخية".
 ‌ه-      الحرية الفردية هي دقة تنفيذ القوانين الحتمية.
مميزات فلسفة الحتمية التاريخية التي أدت لظهور الاشتراكية:-
وصفت هذه الفلسفة كيفية التحكم في اقتصاديات أمة؛ بغرض عدالة التوزيع، وهذا يصلح اختياريا-كمرحلة انتقالية فقط- في حالة الكوارث العامة الضخمة؛ التي يمكن أن تُفني الأمة بسبب الخلل الاقتصادي الشامل؛ الذي يتبع هذه الكوارث؛ بصفة لا يمكن معها تدارك أي إصلاح، على ألا تُطَبق بصفة دائمة على أي مجتمع؛ راجع تاريخ الأمة الإسلامية في الأزمات قبيل الهجرة وما بعدها.
أما وصفهم لحتمية التاريخ فهذا صحيح جزئيا، فالتاريخ هو جانب من القدر الذي لا يستطيع أحد أن يغير منه شيئا، ولكن هناك اختلافا كبيرا بين مفهوم القدر لدى المؤمنين بالله -سبحانه وتعالى- وبين مفهوم التاريخ الحتمي لدى أصحاب هذه الفلسفة، فالقدر غير محسوس؛ والإيمان بذلك مجرد إيمان فقط؛ فالإنسان لا يدرك حسيا أن هناك قُوًى تُسَيِّر فكرَه الواعي؛ والدليلُ القاطع على ذلك هو ببساطة كفر أو إنكار الكثيرين لله الخالق المبدع، فلو كانوا يدركون أن هناك قوةً تسيطر على فكرهم لما أنكروها، ودليل آخر وهو إنكار أصحاب هذه الفلسفة -التي نحن بصدد دراستها- لكل الغيبيات؛ مع أن الغيبيات تَظهر أعراضٌ منها بين الحين والآخر؛ ولا يمكن التمادي في إنكارها؛ كظاهرة الرؤى التي تتحقق بالإنذار أو البُشرى؛ والتي تحدث لكثير من البشر دون تمييز بين صالح أو طالح، والحتمية التاريخية هي حتمية مادية مرتبطة بالقوانين الثابتة وقد أجادوا الحديث فيها، ولا يمكن للمؤمنين بالله إنكار هذه القوانين كما ينكرون هم القدر بمفهومه لدى المؤمنين بالله، فهذه القوانين من قبيل {البدائل البيئية} عند المؤمنين وما يضر منها يُعاملونه كما جاء في {الإرادة التشريعية} لله.
والتاريخ من المنظور الإلهي هو نتائج التفاعل بين الإنسان وبين بيئته تشريعيا، وهذا الناتج يتبع سببيا الأخلاق التي اتبعها الإنسان في هذا التفاعل، فإذا كان التعامل مع المجتمع والبيئة من خلال مبادئ [الفطرة] المؤكَّدة بالتنزيلات الإلهية والتي هي الأخلاق الحميدة؛ فالمجتمع يترقى ويدوم ويتحضر، أما إذا كان التعامل مع البيئة والمجتمع تم من خلال الأهواء الخاصة والاعتقادات الفاسدة النابعة من الذات والتي هي الأخلاق الدنيئة فالنتيجة هي تدهور وفناء المجتمع، والأمثلة التاريخية كثيرة جدا قد ساقتها الكتب المنزَّلة ونرى بأنفسنا بعضا منها في شعوب معاصرة.
مآخذ على هذه الفلسفة:-
اعتقادات خاطئة أدت إلى تقييد الحرية الطبيعية لدى الإنسان واعتبارها هي المعرفة الحقيقية لظروف المجتمع ودقة تنفيذ القوانين الضرورية؛ التي في الواقع يفرضها الإنسان لمجرد اعتقاده بأنها هي القوانين المناسبة لتلك الحالة، فالإنسان بفطرته يأبى القيود المحدِّدة لحريته وملكيته وحب بقائه حيا في إطار الحفاظ على حقوق الآخرين، وجاءت كل التنزيلات الإلهية التي ينكرونها تؤكد نفس المفهوم.


3-           خصائص فلسفة <جان جاك روسو> وأسس فكره حول الحرية:-
  ‌أ-       التمرد على رذائل وقيود التقدم الحضاري.
‌ب-    الثورة على الحكم القائم على الحق الإلهي المقدس (باعتبار أن هذا الحق من اختلاق البشر).
‌ج-      الديموقراطية والعقد الاجتماعي للتنازل عن بعض الحرية لضمان السلامة والأمن للمجتمع ككل.
مميزات فلسفة <روسُّو>:-
قد عرَّف الحرية الشخصية وأكد وجودها بأنها هي "الإرادة الفردية التي تختار الفعل وتميزه عن روية وتدبير، مع إمكان اختيار الفعل أو القدرة على اختيار نقيضه"، وضرب أمثلة لهذه الحرية في الجسم وميَّز بينها وبين الأفعال التي تحدث حتما كالجوع والعطش وغيرِها، وأمثلة أخرى في النفس حيث الشعور في داخل أنفسنا بأننا نسيطر على أفعالنا بصفة عامة ونوجهها حسب رغباتنا، وكذلك الشعور بحرية الاختيار بين البدائل (مثل أن تأكل الخضراوات أو تأكل اللحوم)، وهذا في حد ذاته لا يحتاج إلى دليل أو برهان لإثباته، ولا مجال لإنكاره، وأيضا ضرب أمثلة من الواقع الاجتماعي حيث أشار إلى ما يسمى باسم "وسائل الضبط الاجتماعي" -التي هي القوانين المنظمة والحاكمة لسلوك الأفراد في المجتمع- السائدة في كل المجتمعات وهي تعترف ضمنيا بحرية الفرد وضرورة التحكم فيها لضمان سلامة المجتمع والعمل على تنمية مصالحه، وقد أجاد <روسُّو> في ذلك خير إجادة.
مآخذ على هذه الفلسفة:-
انحصر القول في الحرية {التشريعية} و{البدائلية}، وموقع هذه الحريات من خريطة تفاعل الإرادات هو موقع ضيق، راجع تلك الخريطة في تعريف [الإرادة].


4-           خصائص فلسفة <جان بول سارتر> الوجودية:-
نظر <سارتر> إلى ما حدث من تقدم وما تلاه من سيطرة الآلة على الإنسان، وضراوة الحروب والخراب، والانهيار الظاهر في الحضارة الغربية بالدعوة إلى اللامعقول، فكان فكره كالآتي:-
  ‌أ-       الإنسان حر لأن وجوده أسبق من ماهيته بمعنى أنه هو صانع شخصيته.
‌ب-    وبذلك فهو مسئول عن أفعاله ويتحمل نتائجها.
‌ج-     المسئولية التي تجعل الإنسان مختارا تصيبه بالقلق حول النتيجة.
مميزات فلسفة <سارتر>:-
أكد على الحرية التامة للإنسان من حيث وجوده أسبق من شخصيته؛ فهو صانع شخصيته ومتحكم فيها؛ (وهذا من وجهة نظر المؤمنين بالله -سبحانه وتعالى- يحدث بتمكين مبادئ الفطرة في الطبع؛ فيتم صقل الشخصية في إطار أخلاقي رائع أو عند غير المؤمنين بعدم تمكين المبادئ الفطرية في الطبع فتتشعب الشخصيات إلى أنماط غير مهذبة)، كما أكد على مسئولية كل إنسان عن أفعاله حتى نتجنب الفوضى الناشئة عن الحريات غير المسئولة، وبيَّن أن من دواعي الحرية في الاختيار يحدث القلق غير المَرَضِيِّ؛ (والذي يُنظر إليه من جانب المؤمنين على أنه وخز النفس اللوامة للقلب لحثه على تعديل اختياره للبدائل الأقل ضررا والأكثر نفعا.. فكلما تزايدت الخيارات وتقاربت مميزاتها أو أضرارها تزايد القلق).
مآخذ على هذه الفلسفة:-
لم يبين موقع هذه الحرية على خريطة القدر تماما كما فعل <روسو>، وانحصر القول حول الحرية {التشريعية} و{البدائلية} فقط من منظور [الإرادة] الإلهية ككل.



ثانيا: أقوال المتكلمين:-

1-         ابن رشد:-
انتقاد <ابن رشد> لكل الآراء السابقة له:-
       ‌أ-       الجهمية وهم أتباع <جهم بن صفوان>: انتقدهم في نسبهم كل أفعال الإنسان للمشيئة الإلهية؛ ليكون الإنسان مجبورا على كل أفعاله؛ حيث تسقط عنه المسئولية؛ ويصبح كالجماد.. وقال هذا خطأ.
     ‌ب-    المعتزلة وهم فرقة من الخوارج: انتقدهم في قولهم بأن الإنسانَ يخلقُ أفعالَه بإرادته الحرة، حتى لا تسقط عنه المسئولية، حيث تتم الأفعال على غير مشيئة الله.. وقال هذا خطأ.
     ‌ج-     الأشعرية وهم أتباع <أبو الحسن الأشعري>: انتقدهم <ابن رشد> في إيجاد نظرية الكسب[4] واعتبر أن الوسطية لا وجود لها في الحقيقة، ونفى أن تكون إرادتي في مدِّ يدي لفعل ما مفصولة عن خلق الله للفعل، وتساءل كيف يحاسبنا الله على أفعال نفذناها من خلق الله نفسه؟ وقال بأن المسئولية يجب أن تكون كاملة غير منقوصة.
رأي <ابن رشد> الوسطي:-
*)- فرَّق بين ما أسماه الإرادة الداخلية للإنسان وبين ما أسماه الظواهر الخارجية في الطبيعة والأسباب.
*)- قرَّر أن الإرادة الداخلية للإنسان حرة في نطاق الأسباب الخارجية المقرَّرة سلفا من الله على العالم الخارجي.
*)- العالم الخارجي والأسباب قدَّرها الله بمشيئته الإلهية؛ ووضع الأسباب والعوائق التي عرَّفها باسم القَدَر؛ وهي تسير وفق نظام محكم ومحدد مقدَّما حسب إرادة الله.
*)- ربط بين العالَمَيْن (الإرادة الداخلية والأسباب الخارجية) بأن أفعالنا وإرادَتَنا لا توجد ولا تتم إلا بتوافقها مع الأسباب المقدرة خارجيا في العالم، أي أن أفعالنا ترتبط بعاملين أساسيين؛ هما إرادتنا الداخلية والأسباب المقدرة من الله على العالم الخارجي، وارتباط العاملين معا يحققان حرية الإنسان في إرادته دون تعارض مع مفهوم القدر الإلهي.
مميزات رأي <ابن رشد>:-
أصاب في بعض نقده لمن سبقوه مثل الجهمية الذين قالوا بأن كل أفعال الإنسان منسوبة للمشيئة الإلهية ولم يبينوا كيف يتحمل الإنسان نتيجة أفعاله، والمعتزلة الذين قالوا بأن الإنسان يخلق أفعاله ولم يبينوا كيف تكون المشيئة، والأشعرية الذين خلطوا خلطا غير منطقي.
مآخذ على رأي <ابن رشد>:-
بالرجوع إلى التعريف الاشتراطي لتعبير "الإرادة"، و"الاختيار والجبر" نجد أن قول ابن رشد لم يصف قضية الحرية وصفا حقيقيا، حيث أنه فرَّق بين عالَميْن، هما عالم الإرادة الداخلية للإنسان وعالم الأسباب الخارجية المعبر عن القدر، وبالرجوع لجدول تفاعل الإرادات نجد أن إرادة الإنسان ليست منفصلة عن إرادة الله إلا على المستوى {التشريعي} والمستوى {البدائلي}، وبذلك لم يضع الإرادة الإنسانية في موقعها الصحيح على خريطة الإرادة الإلهية ككل، والتي هي في مستويات أربعة هي الإرادة المشيئية والإرادة التنفيذية والإرادة التشريعية والإرادة البدائلية، وإرادة المخلوقات في أربع مراتب، وهي مرتبة إرادة السماء الأولية ومرتبة إرادة الإنسان، ومرتبة إرادة الكائنات الحية دون الإنسان، ومرتبة إرادة الكائنات دون الحية والملائكة[5]، وما ينطبق على [الإرادة] ينطبق على الحرية.
وبذلك فلم يفلح <ابن رشد> في صياغة الرأي التوفيقي، وخاصة عندما فرَّغ بعضا من لوحة [القدر] من قدَرِ الله ونسبها لحرية الإنسان الفكرية بما أسماه الإرادة الداخلية، وهذا التفريغ مخالف لمفهوم [القدر].


2-         الصوفيون:-
كان <ابن عربي> من الصوفية ووجهة نظرهم في الحرية ما يلي:-
*- وجوب التحرر من عبودية غير الله.
*- وجوب الخضوع لعبودية الله -سبحانه وتعالى-.
ومراتب الحرية عندهم كالآتي:-
*- حرية العامة من رق الشهوات.
*- حرية الخاصة من رق المرادات.
*- حرية خاصة الخاصة أي الصفوة المختارة، والتي تكون حريتهم هي فناء ذواتهم تماما، لتتجلى فيها الأنوار الإلهية وينكشف الحق في قلوبهم.
-وإن لم تكن عبدا خالصا لله فأنت عبدٌ لشهوةٍ أو إرادةٍ غير مستحِقَّة للعبادة.
مميزات تصور الصوفيين للحرية:-
أجادوا وصف الحرية عندما يعبد الإنسان ربه بلا [شرك]، فهي كما قالوا أعلى درجات الحرية، وأي انحراف يمينا أو يسارا عن عبادة الله -سبحانه وتعالى- الخالصة يتبعها مباشرة نقص في الحرية الشخصية؛ حتى وإن بدا للمنحرف غير ذلك، لأنه كما قال الصوفيون سيصير عبدا لشهوة أو عبدا لإرادة لا تستحق العبادة، وباختصار فعبادة الله -سبحانه وتعالى- الخالصة تكفل أعلى درجة من الحرية وأقل درجة من القيود على الإطلاق؛ سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى التجمعات الإنسانية في أسر أو قرى أو دول أو منظمات أو تجمع دولي عالمي، راجع تعريف تعبير [الدين].
مآخذ على هذا التصور للحرية:-
بمقارنته بجدول تفاعل الإرادات في تعريف تعبير [الإرادة] نجد أنه لا يزيد عن وصف إرادة الإنسان مع {الإرادة التشريعية} فقط وهو جانب ضيق من مساحة تفاعل كافة الإرادات.


3-         <محمد عبده>:-
كان <محمد عبده> من المصلحين ووجهة نظره في الحرية ما يلي:-
*- الإنسان حر بحكم الشرع والعقل دون الحاجة لدليل.
*- حرية الإنسان ليست مطلقة بل محدودة ومتناهية، هذا بشهادة العقل.
*- حرية الإنسان ليست شركا بالله كما قال الجهمية والأشعرية -بأن الإنسان لا يقدر على خلق أفعاله؛ لأن الله خالق كل شيء- وقال <محمد عبده> بأن الإنسان قادر على خلق أفعاله حسب إرادته، وقال بأن "الشرك" هو الاعتقاد بوجود قوة أخرى غير الله؛ لها تأثير يفوق تأثير قوة الله، وقال بأن "القضاء" هو أسبقية العلم الإلهي الذي لا يعني القهر والجبر والإلزام، وقال بأن العلم المسبق لا يحول دون حرية الإنسان في خلق أفعاله؛ لأن كل ما يدخل في علم الله يتحقق بالضرورة؛ لأنه ما دام عَلِمَهُ الله فهو متفق مع الواقع والواقع لا يتبدل، وقال بأن العلم المسبق لا يمنع الفعل ولا يبعث عليه، وقال بأن التوكل ليس جبرا واستكانة وإنما ثقة بالله في السعي والعمل بالإرادة والعقل.
مميزات قول <محمد عبده>:-
حاول <محمد عبده> أن يخلص أبناء جيله من بعض السلبيات العقائدية السائدة بينهم، مثل التواكل باسم التوكل، ونجح في قوله بأن التوكل ليس جبرا واستكانة، وأكد على أن التوكلَ ثقةٌ بالله وسعيٌ وراء الرزق بالعمل والإرادة والعقل.
مآخذ على هذا القول:-
جرَّد <محمد عبده> قدرة الله -سبحانه وتعالى- على إرادة الإنسان إلى علم مسبق، لا يقدرُ على منعِ أو بعثِ فعلٍ يريدُ الإنسانُ فعلَه.
وهذا مخالف لجدول تفاعل الإرادات حيث تؤكد الآيات القرآنية على أن {الإرادة المشيئية} هي إرادة قاهرة بلا مواربة ولا التفاف في المعنى ولا تحتاج إلى تفسيرات ملتوية.
تعريفاته لبعض المصطلحات هي تعريفات ناقصة أو منحرفة عن التعريفات الاشتراطية لتعبيرات القرآن الكريم، مثل تعريف القضاء بأنه أسبقية العلم الإلهي الذي لا يعني القهر والجبر والإلزام.
مع أن تعبير [القدر][6] يعني تصميمات الأحداث والكائنات تصميما حسابيا وأجليا وترتيبيا وكذلك منظومات تنزيلها، والقضاء هو نفسه القدر ولكن من منظور الحتمية للفعل الإلهي في إيجاد كائن أو تنفيذ أحداث -كما جاء في التعريفات الاشتراطية لتعبيرات القرآن الكريم-، وهذه المعاني نجدها تنقض المعاني التي ذكرها <محمد عبده>. 

"مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ{22لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ{23}" الحديد57




[1] كما وردت في الكتب المدرسية.
[2] انظر تعريف تعبير "الدين" وتعبير "الإرادة" في التعريفات الاشتراطية لتعبيرات القرآن الكريم.
[3] انظر الجدول المبين لتفاعل الإرادات في تعريف تعبير "الإرادة"
[4] نظرية الكسب أن يكون الفعل من خلق الله والتنفيذ بيد الإنسان.
[5] اقرأ عن تعبير "الإرادة" في التعريفات الاشتراطية لتعبيرات القرآن الكريم.
[6] راجع معاني التعبيرات "القدر" و"القضاء" في التعريفات الاشتراطية لتعبيرات القرآن الكريم. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جدول محتويات المدونة

الإرادة